- أخبار عاجلةمقالات

مأزق الحجرية

سام الخطيب

في عام 2009م كنت أتسكع مع الصديق أمين العباسي في أحد شوارع صنعاء، حينها قال لي جملة لا تزال ترن في أذني حتى اللحظة: “الحجرية ككيان جغرافي واجتماعي هي أكبر تكتل اجتماعي وثقافي حاولت أن تغير من واقع اليمن إلى الأفضل، وأبناءها أكثر من ضحوا في مواجهة هذا النظام البائس ولذلك لاقت ما تلاقيه حتى اللحظة (يقصد تلك التي تحدثنا فيها) من اهمال متعمد ومن تصفيات لرموز الحركة الوطنية من أبنائها وبقية أبناء اليمن”.

بعدها أتت ثورة فبراير الشبابية الشعبية فتدفق أهالي اليمن عامة والحجرية بشكل خاص إلى كافة الساحات والميادين التي شهدت الاعتصامات، وكانت الحجرية مميزة بإقامة أكثر من ساحة في معظم المديريات، بينما كانت بقية المحافظات تقيم اعتصاماتها في عواصم المدن الرئيسية باستثناء عدن التي كان فيها ساحتين.

كل هذا الوعي بقيمة العمل الثوري لدى أبناء الحجرية عزز الوعي المغروس في عقل النظام المثور عليه سواءً من بقي في مركب الحزب الحاكم أو من تدثر بعباءة الثورة للاحتماء بها كتيار الجنرال علي محسن الأحمر.

في العام 2014م، حين حدث الانقلاب كانت تعز، أول من قاوم المشروع الانقلابي وكان لأبناء الحجرية وجود في المربع الأول للمقاومة بالاشتراك مع بقية أبناء المناطق سواء في تعز أو اليمن بشكل عام، لكن الحجرية كانت قد مثلت الحاضنة الاجتماعية التي آوت منتسبي اللواء 35 مدرع كنواة للجيش الوطني بعد المعارك الضارية التي خاضها في مقره بالمطار القديم والتي خسرها اللواء لصالح الانقلابيين ثم بدأ بإعادة تكوين نفسه من جديد، وكانت الحجرية هي الحضن الدافئ لهذا الكيان المناوئ للانقلاب، ما دفع بالانقلابيين لإدخال قرى الحجرية لم تكن قد شهدت أي معركة يوماً ما ولم تعرف رائحة البارود الا في اعمال البناء، لكنه الحقد الأعمى أوصل الحرب الى الاعبوس التي شهدت أول مدرسة تم بنائها في اليمن الشمالي قبل الوحدة على حساب الأهالي، وكذلك تنقلت رقعة الحرب بين عدة مناطق كالاحكوم وحيفان والصلو وصبر والمعافر وراسن.. إلخ كمناطق ذات اتصال وثيق بالحجرية وما تمثله من عقدة لدى نظام الحرب القديم الجديد.

اشتدت وتيرة الحرب وبدأ دعم التحالف ينهال على الأجنحة العسكرية المقاتلة في صفوف الشرعية سواءً المتمثلة بألوية الجيش التي انضمت لمشروع المقاومة ضد الانقلاب أو المقاومة الشعبية التي تشكلت فيما بعد الى معسكرات تابعة لما يسمى بالشرعية.

في خضم المعارك مع الانقلابيين بدأت بعض التيارات تبرز ضمن المعسكرات المنضوية تحت راية الشرعية وكل تيار له أهداف خاصة به وممولين سواءً على المستوى المحلي أو الإقليمي، ورغم كل ذلك كان أبناء الحجرية يدركون ما الخطر المتربص بهم جيداً لكنهم كانوا على يقين وثقة بأنه ناجون من المكائد المدبرة للزج بمناطقهم في معارك ثانوية لا تخدم سوى الانقلابيين أنفسهم بوجود قائد عسكري محنك بحجم الشهيد القائد عدنان الحمادي الذي حاول مراراً وتكراراً أن يجنب الحجرية من كل ما يتم التخطيط له للزج بها في أتون حرب تستهدف الإنسان في هذه المناطق نظراً لما يمثله الوعي المتجذر في عقلية الرجل الثاني بالشرعية والراعي الأول لكل هذه الترتيبات المنوط بها احراق الحجرية وأهلها حتى يتسنى له تنفيذ مشاريعه السلطوية التي فشل شريكه وحليفه السابق في الوصول إليها بسبب يقظة ووعي أبناء الحجرية بشكل خاص والوطنيين من باقي اليمن بشكل عام.

بعد أن أنشئت المعسكرات المناوئة للواء 35 مدرع وبتوجيهات ودعم شخصي من نائب الرئيس في مناطق اللواء 35 مدرع كان القائد الشهيد عدنان الحمادي يواجه الرأي العام في مناسبات عديدة يحضهم وينبههم على عدم الجدوى من افتعال هذه المعارك التي لا تخدم سوى الانقلابيين ولكن الجنرال العجوز وزبانيته كان لهم رأي آخر فهم يرون في اللواء 35 مدرع عقبة كأداء تعيق مخططاتهم للسيطرة على الحجرية وكبح جماح الانسان المتطلع لبناء دولة حقيقية ضامنة لحقوق الجميع على رقعة الجمهورية اليمنية.

بعد أن عملت هذه القوى المناوئة لمشروع الدولة بشتى الطرق على التخلص من العميد عدنان الحمادي، تحققت أحلامها الدفينة باغتيال الشهيد القائد على يد أقرب الناس إليه، ثم بدأت في التخطيط للمرحلة القادمة وطموحات السيطرة على الحجرية والقضاء على اللواء 35 مدرع أو تمييعه وتعيين قادة موالين لنائب الرئيس بما يضمن سيطرة قواتهم على هذا النطاق الجغرافي المهم وضربه ضربة لا يستطيع النهوض بعدها ، على الأقل على المستوى القريب.
لم تكن المخططات المحلية وحدها من تعمل لإشعال الحرب في مناطق الحجرية فبعد اغتيال الشهيد القائد عدنان الحمادي بأيام قدم الشيخ حمود المخلافي وبدعم من قطر على انشاء معسكرات للعائدين من الحدود اليمنية السعودية لاحتوائهم وتشكيل معسكرات يردع بها مناوئي حزبه “الإصلاح” بعيداً عن إشراف الحكومة الشرعية وبدعم لا يخفى على أحد من دولة قطر التي تخوض حرباً مع السعودية والامارات على رقعة اليمن الجغرافية.

تشكيلات عسكرية أخرى لا تخضع للحكومة الشرعية بقيادة طارق عفاش تتربص هي الأخرى بتعز عامة والحجرية بشكل خاص من أجل منع جناح نائب الرئيس والمتمثل بالاخوان المسلمين من السيطرة على المحافظة وبدعم كبير من دولة الامارات التي تحارب الاخوان المسلمين بكل ما أوتيت من قوة.

مابين هذه الأجندة وتلك وهذه القوى والأخرى تكون الحجرية وتعز واليمن بشكل عام هي الغائب الأبرز ومصلحة المواطن اليمني هي المستهدفة في المقام الأول، لغياب الوازع الوطني للمتحكمين بالمشهد بالإضافة الى النظرة القاصرة للاعبين الأساسيين في المشهد اليمني بشكل عام، والذين لن ينجوا بفعالهم التي تسعى لزرع القلاقل والفتن على أرض تعز.

اترك تعليقاً
الوسوم
شاهد المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق