- أخبار عاجلة- أهم الأخبارمقالات

مأرب وبيحان

الكاتب: بلال الطيب

ثمة ارتباط وثيق بين مأرب وبيحان، ولا تذكر الأولى إلا وذكرت معها الأخيرة – خاصة في صفحات تاريخ اليمن الإسلامي، وفي العام «1182م» عزم الإمام عبدالله بن حمزة على ضمهما لحكمه، وذلك بعد ثلاث سنوات من دعوته، وأرسل من براقش لذات الغرض جيشًا بقيادة الأمير سليمان بن حمزة، وقعت بين الأخير وبين أهل تلك البلاد حروب كثيرة، كانت الدائرة فيها على الأخيرين.

وحين امتنع أهل مأرب – بعد ذلك – عن الأذان بـ «حي على خير العمل» – كتب الإمام عبدالله بن حمزة إليهم عدة رسائل هددهم فيها بالعدول عن ذلك، ولم ينس في كل رسالة أن يذكرهم بفضائل أسرته، وأنَّهم أعلام الهدى، وأقمار الدجى، والأحق في الولاية، وقال في إحدى رسائله: «بلغنا أن أموركم على غير نظام، وأنَّكم ماضون على الخطبة لبني العباس، ولا تجوز الإمامة إلا لمن قام مقام رسول الله صلى الله عليه وسلم».

وأضاف: «واعلموا أنا أولاد الرجل الصالح – صلى الله عليه – الذي شرع الشرائع، وسن هذه السنن، وأوضح رسوم العدل، وطمس رسوم الجور؛ فنحن أعلم الناس بآثاره، وسننه، وطرائقه، وعلومه، فلا تهلكوا أنفسكم بالجهالة والعمل على غير بصيرة.. واحمدو الله الذي أوصلكم وقتًا تقتدون في دينكم بعترة نبيكم، تأخذون الحق من أهله، وتقتبسون النور من معدنه، وتنتسبون إلى العترة الطاهرة التي خُلقت من طينة عليين، وربيت في حجور النبيين، ورضعت فيها دار الإسلام، وربيت في حجور الإيمان، ودرجت في منازل عمرها التنزيل، وخدمها جبريل، فأين تطلبون الهدى من غيرهم، فانظروا نظرًا يخلصكم».

وحين جاء كتاب علمائهم بالامتناع، وبقائهم على مذهب السنة، رد عليهم بكتاب آخر، انتقص فيه من الإمام محمد بن إدريس الشافعي، وهددهم بالحرب إن لم يتركوا مذهبهم، وأضاف: «فمن أجاب دعوتنا هذه العادلة غير الجائرة، الجامعة غير المفرقة، فهو منَّا وإلينا، له ما لنا، وعليه ما علينا، ومن كره ذلك حاكمناه إلى الله سبحانه، وحاربناه، واستعنا بالله سبحانه عليه، فغلبناه إنْ شاء الله سبحانه، وإنَّما نحن نُقاتل هذه الأمة على تأويل كتاب الله، كما قاتل أبونا رسول الله – صلى الله عليه وسلم – على تنزيله؛ لأنَّه حُطَّ بين الدفتين لا ينطق بلسان، ولا بد له من ترجمان، ونحن تراجمته وورثته، وعندنا معرفة غرائبه، وعلم عجائبه».

وبلغ من سخريته أن خاطب أهالي مأرب قائلًا: «وارضوا بنا أئمة، نرضكم لنا تبعًا»، وزاد على ذلك مُستهجنًا:
وهل تمت لكم أبدًا صلاة
إذا ما أنتم لم تذكرونا
وهل تجب الصلاة على أبيكم
كما تجب الصلاة على أبينا

وحين أذعن أهل مأرب لتهديداته، ارتجز قائلًا:
إذا بدت مثل السعالى من دغل
وطلعت فوق الرماح كالشعل
وأيقنوا أن الحِمام قد نزل
نادى مُناديهم على خير العمل

ووصل به الاستعلاء أنْ شبه نفسه بنبي الله سليمان بن داؤود، وقال في رسالة أخرى مُهددًا: «أقول لكم ما قال عمي سليمان – عليه السلام – لأوائلكم: ألا تعلوا علي وأتوني مُسلمين، وإن الإسلام لا يتم إلا بطاعة عترة خاتم المُرسلين.. وإن البغي بمعصية إمام الحق يحل سفك الدم، واستباحة المال، وهدم الديار على مذهبنا ومذهب آبائنا من أهل البيت عليهم السلام».

أذعن أهل مأرب لتهديداته، فيما أصر أهل بيحان على الامتناع، وفي ذلك قال صاحب «أنباء الزمن»: «نهض الإمام بنفسه إلى أهل بيحان، بعد أنْ كرر الكتب إليهم يأمرهم بلزوم الطاعة، وإقامة الجمعة والجماعة، والأذان بحي على خير العمل، فلم يمتثلوا، واجتمعوا للمحاربة، ففرق الله شملهم، وأمر الإمام بقطع نخيلهم، وزروعهم، وعاد إلى براقش ظافرًا».

وحين خضعوا لحكمه مرة أخرى، كتب إليهم: «أما بعد.. فإنكم قوم وفقتم لإصابة الصواب، ومنحتم أفضل أسباب النجاة، وهو محبتكم ورثة الكتاب، وعترة الرسول سلام الله عليه وعلى آله، وقد بلغنا نصيحتكم، واستقامتكم، فاستقيموا واعلموا أن الله لا يضيع أجر المُحسنين، فأحسنوا، ونحن الصادقون، فكونوا مع الصادقين، ونحن حزب الله، وحزب الله هم المفلحون».

اترك تعليقاً
الوسوم
شاهد المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق