- أخبار عاجلة- أهم الأخبارمقالات

اليمن ومصر والمصير المشترك

السفير عزالدين سعيد الأصبحي

الحديث عن العلاقات اليمنية المصرية لا تحكمها اللحظة فقط أو مصالح عابرة بل هي حديث عن تاريخ وحضارة مشتركة.

ويمكن لأي مقال عن العلاقات السياسية أن يكون علميا و يستخدم لغة الأرقام الجافة ليكون مقنعا ومنطقيا إلا فيما يخص علاقة اليمن بمصر فهي مزيج من علم التاريخ والمنطق وشغف المحبة وجموح العاطفة.

و إذا قيل لي أكتب بحثا في العلاقة التاريخية اليمنية المصرية والقواسم المشتركة فأقول الأمر يحتاج إلى شاعر وليس سياسي أو اقتصادي فقط فتلك علاقة من التواصل بين البلدين جعلت الجغرافيا وهما، وتقارب المجتمع ليصبح مجتمعا في دولتين حقيقة.

فأنت في اليمن لاتحتاج إلى جهد لشرح أي شيء له علاقة بمصر فالناس يعيشون تفاصيل مصر ثقافياً وسياسياً واجتماعياً كأنهم امتداد للصعيد أو شط الإسكندرية.

ويعرفون أخبار مصر وليالي الحلمية كأنهم جزء من نفس النسيج.

وتاريخياً منذ الفاطميين بمصر ودولة الصليحيين في اليمن وملكتهم أروى بنت أحمد وهم امتداد واحد.

وجاء صلاح الدين الأيوبي بالدولة الايوبية فكان امتدادها أعظم دولة يمنية حتى الآن وهي دولة الرسوليين في تعز والتي حكمت إلى مكة، وبقيت مائتين عام ورحل الايوبيون وبقي حب مصر حاضراً بالدولة الرسولية وآثارها العظيمة من مساجد وأضرحة وقباب مساجد في تعز وعدن.

وقد لايعرف الكثير أن مؤسس أهم مدينة يمنية جامعة للصخب والحياة في اليمن أي مدينة تعز هو شقيق صلاح الدين نفسه.

وذهب الحكام وبقيت الشعوب وثقافتها ومزاجها الفني والأدبي( والجيم المصرية ) التي تسمعها في لهجات النطق بكل القاهرة ومعظم اليمن.

وعندما تضيق الأمور باليمنيين يذهبون إلى مصر للعلاج والسياحة والدراسة والتفكير في المستقبل ولا ينسى أي يمني تضحيات مصر العربية في ثورة السادس والعشرين من سبتمبر 1962 والرابع عشر من أكتوبر 1963.

جاء عبدالناصر إلى اليمن ولم يحتاج إلى حماية عسكرية وهو يخطب من مقر القيادة العربية في تعز أبريل 1964، فقد كان مطوقا بقلوب ملايين اليمنيين الذين حملوا سيارته لحبهم وليس فقط لغياب الإسفلت.

قال عبدالناصر يومها مقولته الشهيرة ( على بريطانيا أن تحمل عصاها وترحل)، وفعلا رحلت حيث كان الإستعمار البريطاني جاثم على الشطر الجنوبي من الوطن اليمني.

وبقيت مصر حاضرة بجيشها الأكبر من معلمين وأطباء وصيادلة وإدارات مختلفة.

ومن الصور الثابتة في الذهنية اليمنية أنه في كل قرية يمنية لابد أن تجد مدرسة ومعلم مصري وفي كل مدينة يسمي اليمنيون شارع ( القاهرة ) وجمال عبدالناصر وأنا من قرية معلقة بالجبال كانوا يقولون لي عندما تكبر اذهب إلى القاهرة بلاد ناصر ( وهذا ما حدث مع معظم جيلي ) وجيل ابنائي الآن.

وفي ذهن أمهاتنا أن مصر هذه في الجبل الخلفي لبلدتنا لقرب مصر من قلوب اليمنيين.

ولم تخذلنا مصر يوما رغم تعبها الإقتصادي تقاسمت معنا اللقمة والوجع وفتحت مدارسها وجامعاتها لنا طيلة ثمانية عقود فمنذ الثلاثينات وبعثاتنا في مصر لا تعاني الغربة والناس مثلا لا تعرف أن الأديب علي أحمد باكثير صاحب ( واسلاماه) وغيرها من الروائع يمنيا حضرميا بل هو معروف كمصري وقد جاءها طالباً يمنياً فاحتضنته مبدعاً عربياً لاعقد في الهوية وجواز السفر.

وأن قصيدة العبور المقررة على طلاب مصر للشاعر عبدالعزيز المقالح شاعر اليمن الكبير وعاشق مصر الأكبر.

وأن وراء كل حجر في الدقي وأرض اللواء يمني يعرف تفاصيل القاهرة أكثر من بطن كفه.

ولدي مقولة عن عشق اليمنيين لمصر في تشجيع كرة القدم حيث معظمهم منتمي للزمالك ويشجع الأهلي! تلك كيمياء لا يعرفها إلا من ذاب في تفاصيل المجتمع.

وان الكابتن علي محسن مريسي نجم الخمسينيات والستينات في الكرة المصرية عبقري يمني احتضنته مصر فصار نجم منتخبها.

اليوم نحن بحاجة إلى الحديث عن العلاقات اليمنية المصرية ليس للتذكير بها بل لأن واقع التحولات الكبرى التي تحيط بنا من أمن إستراتيجي للبحر الأحمر وعدم إستقرار يعم المنطقة يجعلنا نقول ( لابد من مصر وإن طال السفر ) هذا الفراغ في العلاقات العربية العربية بحاجة الى مصر والعودة إلى مشروع عربي يخلق توازنا بالمنطقة في مواجهة المشروعات الإقليمية الأخرى بحاجة إلى تفعيل الجامعة العربية كإطار إقليمي والى مصر الدولة المرجّحة لأي استقرار منشود.

وفيما يخص اليمن واستقراره فإن دور مصر محوري وهام.

ليس فقط للعلاقات التاريخية العميقة، ولكن لا ننسى أن مصر هي المحطة العربية الأولى المفتوحة أبوابها أمام اليمنيين في هذه الضائقة التي يمر بها اليمن وثاني أكبر تجمع لليمنيين خارج اليمن بعد السعودية هو في مصر.

فقبلة السفر الأولى لملايين اليمنيين هي القاهرة، والداعم المجتمعي للمجتمعاليمني في تسهيل الدخول والمرور.

وبالتالي فإن فتح قنوات التواصل وتسهيل الإجراءات وتعزيز التعاون مع مصر مطلب أساسي لليمن حتى يستقر ويصل إلى السلام وبر الأمان
ونتطلع أن تأتي الأيام القادمة بتسهيل أكبر لوضع مئات الآلاف من اليمنيين في مصر فهؤلاء هم مصريو الهوى قبل أن يكونوا يمنيو الهوية.

أما دور مصر في الدفع باستقرار اليمن وإعادة إعماره فهو حيوي ولا جدل فيه ..دور بارز في إعمار اليمن بمجالاته المختلفة والمتنوعة.

اترك تعليقاً
الوسوم
شاهد المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق