- أخبار عاجلة- أهم الأخبارمقالات

أمريكا واليمن !

السفير/ عزالدين سعيد الأصبحي

احتلت القضية اليمنية صدارة الإهتمام في السياسة الأمريكية الخارجية لإدارة الرئيس جو بايدن منذ الوهلة الأولى للرئيس السادس والأربعين للولايات المتحدة.

حيث أعلن في أول كلمة له بشأن سياسته الخارجية في الرابع من فبراير 2021 ثلاث قرارات خاصة باليمن.

الأول إنهاء الدعم الأمريكي لكافة العمليات العسكرية الهجومية وما يتعلق بها من صفقات الأسلحة للتحالف العربي الداعم للشرعية في اليمن.

والثاني دعم جهود الأمم المتحدة لحل النزاع، والثالث تعيين الدبلوماسي الأمريكي تيم لندر كينج مبعوثا خاصا لليمن.

تلك القرارات أظهرت إهتمام الإدارة الأمريكية الجديدة بملف اليمن، ولكن سيطر الشك على قلوب معظم القوى اليمنية من عدم نجاح ذلك.

فتلك الإطلالة الهامة أثارت جدلا واسعا على صعيد الإهتمام السياسي وساد القلق والحيرة معظم الفئات اليمنية.

حيث تولد يقين لدى معظم اليمنيين أن تلك الخطوات وهذا الإهتمام لا يخرج إلا من زاويتين، الأولى أنه مجرد حالة رد فعل من قبل إدارة بايدن تجاه إدارة ترامب ولهذا ستصطدم الرؤية الأمريكية الجديدة بواقع صعب لم تعطه حقه من الدراسة والتعمق.

ووقعت ضحية حملات تضليل لعدد واسع من الخبراء والمنظمات الذين يرون القضية اليمنية بمنظور موقف معادي لدول في التحالف العربي أكثر منه إدراكا للواقع الصعب الذي تعيشه اليمن وخطورة ما صارت عليه الأمور بسبب انقلاب مليشيا الحوثي ونهجها ومدى رفض الناس لها .

الزاوية الأخرى أن هذا الإنسحاب الأمريكي من المشهد اليمني ليس جديدا بل هو استمرار لسياسة الإدارات السابقة من الفترة الأخيرة لإدارة أوباما وحتى فترة ترامب.

وأضرت حالة التردد والارتباك تلك كثيرا بحسم الأمور وتنفيذ القرارات الدولية، وأخرت فعليا الحل الممكن باستعادة مؤسسات الدولة الشرعية في اليمن وصون وحدته واستقراره.

وما يثير القلق أكثر هو استمرار التعامل بردود الأفعال تلك وتجاذب الملف ضمن الصراع الحزبي داخل أمريكا أكثر منه إدراكا للواقع الصعب الذي تعيشه البلد، واستمرار ذلك سيفاقم عواقب سيئة على واقع يمني مؤلم أصلا.

ومن شواهد ذلك ما رأيناه من سرعة إلغاء إدارة بايدن لتصنيف جماعة الحوثي من قائمة المنظمات الإرهابية وهو التراجع الذي جاء وبشكل واضح أنه ردة فعل على إدارة ترامب وبمبرر أن التصنيف سيعيق وصول الدعم الإنساني.

وتحت ضغط حملات تيار اليسار الأمريكي والمنظمات الدولية التي رأت أن التصنيف يضر بسير دعم برامجها.

وبالفعل ألغت الإدارة الأمريكية التصنيف وقرأ الحوثي الأمر بأنه مكافأة واستحقاق وتأكيد لمنطق القوة، فعمد لفتح أوسع معركة حربية له خلال خمس سنوات وهي غزو مدينة مأرب النفطية أبرز وأهم معقل للحكومة الشرعية في اليمن، والتي تأوي قرابة إثنين مليون نازح فروا من مناطق سيطرة الحوثي،

لتزداد المأساة الإنسانية ويتعقد المشهد السياسي أمام المبعوث الخاص.

ويزيد من سخط اليمنيين من الموقف الدولي غير المدرك لخطورة نهج الحوثي في تعزيز التشظي المجتمعي، وغطت هدير المدافع على همسات السلام وتعمق مشهد الانقسام اليمني المقسم أصلا أكثر.

ولو كانت الإدارة الأمريكية جعلت من رفع تصنيف الحوثي كجماعة إرهابية ورقة سياسية بمقابل خطوات معينة تقوم بها الجماعة لحل الأزمة الإنسانية لكان وضع الرؤية الأمريكية الجديدة بوضع أفضل يساعدها على حلحلة أسرع لقضية يمنية عميقة يصعب شرحها لإدارة عجلى ترى الأمور من خلال رؤية منظرين لديهم رؤية مسبقة تجاه الخليج وصراعات المنطقة يجرها تاريخ مثقل بالصراعات لا واقع متغير معاش الآن،

يرون القضية اليمنية بخفة عجيبة ولكن ( لو ) هذه لم تعد تجدي نفعا الآن إلا لإظهار العبرة.

والمشهد يذكرني بضغط الإدارة الأمريكية في عهد أوباما لوقف مستعجل لأزمة عميقة، حيث هبط يومها جون كيري وكان وزيرا للخارجية لوقف عاصفة الحزم، وتم في 21 أبريل 2015 الإعلان عن إنتهاء عاصفة الحزم وأعلن عن إعادة الأمل.

كان مسار الحسم يتجه لإنهاء التمرد الحوثي الذي فقد معظم قدراته والعالم توج موقفه بإصدار القرار الدولي الشهير رقم 2216 في 14 أبريل 2015 وهو القرار الذي دعا مليشات الحوثي لإنهاء التمرد والعودة إلى المبادرة الخليجية والياتها التنفيذية.

يومها تصاعد الموقف الأمريكي لوقف دعم التحالف العربي الداعم للشرعية في اليمن وهو الموقف ذاته الذي استمر بعد ذلك في إدارة ترامب وخفض الدعم وتصاعدت الحملات في الصراع الحزبي داخل أمريكا، وكان ملف اليمن أساسيا فيه.

وبدلا من الخروج من النفق الصعب فتحت أمنيات غير مدروسة نفقا آخر لحرب أطول.

لهذا ما جرى في آخر أيام ترامب من تصنيف الحوثي جماعة إرهابية أو إلغاء هذا التصنيف في أول أيام بايدن ليس أكثر من استمرار معارك التصفيات الداخلية في الشد والجذب والضغط على قوى المنطقة من خلال النافذة اليمنية.

وستبقى سمة الارتباك طاغية على الخطوات الأمريكية تجاه اليمن في كل الفترة الأولى للإدارة الجديدة على الأقل إلى أن يدرك بعض ممسكي الملف بعمق هذه القضية وخطورتها، ويستوعبون تفاصيل عمق المشهد في الصراع الداخلي اليمني وتطورات التدخل الإيراني الذي بدا أكثر وضوحا إلى درجة غير مصدقة. ففي الأيام الماضية عندما أعلنت المملكة العربية السعودية لمبادرة السلام جاء الرد من طهران يتحدث نيابة عن ممثلي الحوثي وحرص ممثل الحرس الثوري الإيراني في صنعاء حسن إيرلو أن يعلن رفض المبادرة.

وبدا المشهد اليمني يزداد تعقيدا مع تمادي مليشيا الحوثي في رفضها لكل خطوة نحو السلام، وتأكيدها على أن حسم الأمور لايكون إلا عسكريا

وهو أمر يتجلى باستمرار معركة الحوثي لضرب مأرب واستماتته من أجل قهر المحافظة العصية.

وما يجعل القول أن التردد الدولي الحالي في عدم تعزيز مسار تنفيذ قرارات الشرعية الدولية وضرورة التصدي لمنطق الابتزاز الذي تقوده مليشات الحوثي وخلفها بل وأمامها إيران، سيزيد المشهد اليمني الحزين حزنا ويفتح ما نحسبه نافذة للسلام أبوابا أوسع للجحيم، لأننا نجد في هذا التردد الدولي والارتباك في إتخاذ الموقف السليم تكريسا لمفهوم القبول بإستخدام القوة من قبل جماعات انقلبت على مؤسسات الدولة وتشجيعا للخروج على القانون.

ويفتح ذلك طريق أوسع لمبدأ الجماعات الإرهابية عبر إستخدام العنف والكراهية.

وما يزيد المشهد تعقيدا أكثر تلك التصريحات المسعرة للحرب التي يعلنها حزب الله في لبنان والحرس الثوري في طهران حول اليمن وضرورة استمرار معركة مأرب واستمرار الخراب.

فطهران تريد أن تذهب لتسوية ملفاتها مع أمريكا من خلال شرق أوسط ساخن.

ودخان المعارك المتصاعدة في المنطقة يساعدها على أن تمدد أقدامها على طاولة مفاوضات العقوبات الأمريكية وتخط بأريحية أسطرها التي تريد في ملفها النووي.

كما أن استمرار هذه الفوضى بالمنطقة يخفف من حالة الإحتقان الداخلي الذي تعاني منه، و الأهم أنه يكرس توترا إقليميا واضحا

شاهد المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى